الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
439
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
المراد بمناسبة الموضوعات الطبية هو العشق المتعلق بالشهوات النفسانية والمعشوقات المادية ، وإنما كان بين الماليخوليا والجنون والأمراض السوداوية باعتبار انطباقه على المعشوقات المادية ، واختياره في مقام المحبة والعشق دون الحق والمحبوب الحقيقي ، فإن هذا الاختيار السوء والتطبيق النفساني إنما هو من الماليخوليا والجنون ونحوهما . فإن الروح إذا مرضت بالأمراض السوداوية المحركة للشهوات الحيوانية النفسانية ، واتصف بالجنون أي بذهاب العقل المدرك للمحبوب الحقيقي يصير أسيرا لخيالات فاسدة تسمى بالماليخوليا أي التصورات ، التي لا واقع لها ولا يرغب فيها العاقل العارف ، فهذه الحالات الردية التي صارت سببا لتعليق العشق والمحبة بالمحبوبات النفسانية هو المراد من قوله الحكماء ، لا أنّ المراد مذمة العشق من حيث هو هو كما لا يخفى ، كيف وترى أن أولياء اللَّه بأجمعهم وبمراتبهم من النبيين والأئمة عليهم السّلام وساير السابقين في طريقتهم لا يخلون من تلك الحالات التي ذكرت للعشق . فإذا أردت فتفكر في جمل المناجاة الخمس عشرة وفيما تقدم عن مصباح الشريعة ، وفي حالات أولياء اللَّه العارفين العابدين ، فإن الأحاديث والأدعية مشحونة بذكر تلك الحالات ، وأظن أن عدم ذكر العشق في الأحاديث وإن ذكر قليلا كما سمعته في حديث النبي صلَّى اللَّه عليه وآله إنما هو لعدم فهم معناه خصوصا من العوام الذين تنصرف أذهانهم من ذكره إلى العشق المجازي المذموم ، وأما أهل المعرفة فلا ، بل يرون أن كمالهم في تحصيل العشق كما علمت من المجلسي رحمه اللَّه حيث قال : وقرروا في كتبهم الإلهية أنه من أعظم الكمالات والسعادات . وذلك أنه لم يبلغ أحد إلى الدرجات العالية والكمالات التامة إلا بالمحبة والعشق ، كما يستفاد من قوله تعالى : والذين آمنوا أشد حبّا للَّه 2 : 165 أي بقوة الحبّ له تعالى متصفون ، فبهذه القوة يسيرون حيث إن المحبة والعشق هو العامل الوحيد